ألقت وثائق، نشرت أخيراً من قبل الأرشيف الوطني البريطاني، المزيد من الضوء على قرار رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر، الخاص برفض منح حق اللجوء لشاه إيران، بعد تنحيته عن العرش، في اعقاب الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979.
ففي عام 2009، كشف النقاب عن ارسال بريطانيا سرّاً مبعوثاً خاصاً الى جزر الباهاما، لنقل رسالة الى الشاه، الذي كان يعيش حينها في المنفى مع أسرته في منتجع جزيرة بارادايس الكاريبية، تقول ان بريطانيا غير مستعدة لمنحه ملاذاً للجوء، وذلك خشية تعرض الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في طهران لرد ثأري.

والملفات التي تم كشف النقاب عنها أخيراً تشمل رسائل سرية صادرة عن مقر رئيسة الوزراء في 10 دواننغ ستريت، وأخرى واردة إليه، تظهر ان تاتشر قد يكون ساورها قلق بشأن سلامة الدبلوماسيين البريطانيين في طهران، حتى انها كتبت رسالة شخصية الى محام مشهور، لإقناعه بعدم القيام بدور لتمثيل الشاه لمحام له.
كما عرضت الوثائق أيضاً ان السير دينس رايت، الذي كان سفيراً لدى إيران في وقت سابق، وذهب الى جزر الباهاما باسم سري، لتفادي لفت انتباه وسائل الإعلام، بعث برقية سرية لمكتب رئيسة الوزراء تقول «ان مرافقي الشاه يبدو ان عددهم انخفض الى مجموعة صغيرة من الحراس و/ أو الخدم، بالإضافة الى مربية أوروبية، كما ان هناك خدما من السود في البيت».

تلاشي دعم الغرب
وبعد مضي أكثر من 35 عاما منذ اندلاع الثورة الإسلامية تظل التفاصيل المتعلقة بالعديد من الأمور التي حدثت خلال وبعد تلك الأحداث المتلاحقة طي الكتمان، غير ان وثائق رفعت عنها السرية من قبل بريطانيا والولايات المتحدة أخيراً تظهر كيفية سرعة تلاشي دعم الغرب لشاه إيران محمد رضا بهلوي، سريعاً بعد انتصار الثورة التي اطلقها آية الله الخميني.
ففي يونيو ثار جدل في إيران حول نقل إذاعة بي. بي. سي البريطانية باللغة الفارسية لبرقيات دبلوماسية أميركية رفع عنها حجاب السرية كشفت أسرار الاتصالات المكثفة التي تمت فيما بين الخميني وإدارة الرئيس جيمي كارتر قبل أسابيع من الثورة. وكان الخميني قد عاد الى طهران في الأول من فبراير عام 1979 بعد أسبوعين من فرار الشاه من البلاد.
وعاش شاه إيران بعدها في المنفى، أولاً في مصر، وبعدها في المغرب، وفيما بعد في مجموعة من الدول الأخرى من بينها الولايات المتحدة والمكسيك وبنما. وقد توفي اثر اصابته بمرض السل في القاهرة في يوليو من عام 1980.
وتظهر الملفات الجديدة ان الشاه كان يرغب في الاستقرار في بريطانيا لكي يواصل ابناؤه تعليمهم، وقد تم رفض طلبه بحسم من قبل مارجريت تاتشر وذلك على الرغم من الجهود التي بذلتها بريطانيا في وقت سابق لتقديم المساعدة له، بما في ذلك تسهيل تنقلاته المتكررة عبر البلدان من المغرب الى جزر الباهاما.

صديق مخلص
وجاء في رسالة رفعت عنها السرية أخيراً صادرة من مكتب رئيسة الوزراء تاتشر الى وزارة الخارجية «لقد اوضحت رئيسة الوزراء بجلاء أنها غير راضية تماماً عن عدم قدرة الحكومة على تقديم المساعدة الى حاكم يعد، في رأيها، صديقاً مخلصاً وصلباً للمملكة المتحدة، غير ان رئيسة الوزراء تدرك مع ذلك الحاجة الى تفادي أي مخاطر قد يتعرض لها البريطانيون ممن ظلوا في ايران او سفارتنا هناك».
وقد بعث السير دينس رايت، الذي التقى الشاه في ناساو العاصمة الباهامية، رسالة بعدها قيم فيها الوضع الى الحكومة.
وقال ان «مسكن الشاه يقع ضمن ساحة محاطة بالاسلاك ويعج برجال الامن الاميركيين، ومن الواضح ان المسكن صغير للغاية بالنسبة إلى الشاه واسرته، وشعرت ان الاجواء غير سعيدة، وان الشاه يحن الى الاستقرار في مكان يجد فيه اطفاله التعليم المناسب».
وكان اللورد كارينغتون، وزير الخارجية حينها، يساوره قلق جراء اكتشاف الصحافة لمهمة السير رايت، التي كانت تعتبر سرّية. فقد كتب رسالة الى مقر رئيسة الوزراء يقول فيها «اذا تم تسريب مهمة دينس رايت للصحافة، اقترح ان نقول الحقيقة، اي الاعتراف بانه توجه الى الباهاما كمبعوث رسمي لمناقشة مسألة قدوم الشاه الى بريطانيا».
وقالت وزارة الخارجية ان دينس رايت ذهب لشرح موقف الحكومة للشاه و«توضيح الصعوبات التي قد يثيرها قدومه الى بريطانيا». وقيل حينها ان الباهاما كانت «تعج بالصحافيين» وفق ما ذكر رايت. ولم يكن الشاه راضيا بتلك الرسالة وشكا للسفير بانه لا يستطيع فهم اسباب اعطاء بريطانيا الاعتبار لنظام «ليس له اهمية».
وكتبت تاتشر شخصياً رسالة للورد شوكروس، المحامي المرموق، تقول فيها انها تقدر ولاءه للشاه، ولكنها ترى انه يجب الا يمثله في اي محكمة دولية قد يتم تشكيلها. وقالت في الخطاب المكتوب بخط يدها «اعتقد انك اذا ما قبلت هذه المهمة فانه سيكون لذلك تأثير سلبي على علاقاتك الخاصة مع ايران وربما ايضا على سلامة العاملين في سفارتنا في طهران. ان العواقب بالنسبة لعلاقاتنا، ومواطنينا في طهران قد تكون وخيمة، انني اسفة لاضطراري للرد بهذا الاسلوب التحذيري، ولكن اذا ما وضعنا في الاعتبار طبيعة الرأي الايراني الذي يمثل الى التشكك والهستيريا، فانني لا ارغب في الاقدام على اي مخاطر لا داعي لها».
واستطردت رئيسة الوزراء البريطانية بالقول انها كانت تعتقد ان الشاه «صديق جيد لهذا البلد» غير ان ما يشغلها هو «سلامة مواطنينا ممن مازالوا في ايران».

طلب الهجرة الملكي

احدثت الثورة الايرانية وفرار الشاه في فبراير 1979 تحولاً بالنسبة للمصالح البريطانية في ايران. كما عرضت الشركات البريطانية لامكانية مصادرتها والاستيلاء عليها، والمواطنين البريطانيين لخطر الاعتقال. وقد كانت بريطانيا مستهدفة بصفة خاصة بسبب ارتباطاتها السابقة الوثيقة بالنظام الشاهنشاهي الذي اطيح به.
وكانت قائمة اسماء اسرة الشاه واقربائه ارسلت لمسؤولي ادارة الهجرة البريطانية، وقد رد مسؤول في وزارة الخارجية على ذلك في رسالة جاء فيها «اننا نفضل عدم تشجيع هذه المجموعة على القدوم الى بريطانيا، ونقر باننا لا نستطيع منعهم من القيام بذلك اذا ما كانوا مؤهلين لذلك بموجب لوائح قانون الهجرة، ولكن علينا التعامل مع تلك الشخصيات وفق حالة كل منها».

الغارديان

Advertisements